أخبار عالمية

هل سيقوم متحف “سرسق” من رماد ونيران انفجار مرفأ بيروت؟

كطائر الفينيق الأسطوري الذي يقوم من رماده.. هذه هي قصة متحف “سرسق” العريق في بيروت، فهو يرفض الموت ويصمد أمام الهزات والأزمات مثل انفجار مرفأ بيروت الذي زلزل أركانه في 4 أغسطس/آب 2020. وبعد مرور عام على هذا الحادث الذي أودى بحياة أكثر من 200 شخص. فرانس24 زارت المركز الثقافي الذي قد يعيد فتح أبوابه للزوار في ربيع 2022.

على الرغم من مرورعام على الانفجار الذي هز مرفأ بيروت في الرابع من شهر أغسطس/آب 2020 موديا بحياة أكثر من 200 شخص، لا تزال الخسائر التي طالت بيوت ومنازل هذه المدينة العتيقة واضحة المعالم. ولم تنج المراكز الثقافية والمتاحف وقاعات المسرح والبيوت التراثية من الانفجار إذ قدرت وزارة الثقافة اللبنانية عددها بما بين 150 إلى 200 بيت تراثي ومركز ثقافي مدمر.

ويعد متحف “نقولا إبراهيم سرسق” الواقع في الشارع الذي يحمل نفس الاسم وسط بيروت من بين الوجهات الثقافية التي تستقطب عددا كبيرا من الزوار طيلة الوقت. لكن أبوابه لم تفتح منذ الانفجار الرهيب الذي هز جميع أركان العاصمة اللبنانية.

فرانس24 حاولت زيارته أول مرة في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2020، لكن أبوابه كانت مغلقة آنذك بسبب الخراب الكبير الذي لحق بالمبنى وبقاعات المعارض المتواجدة بداخله والأبواب العتيقة المكونة من الخشب المزخرف والنوافذ العالية ذات الزجاج الملون الذي يشبه زجاج أماكن العبادة.

صورة لمتحف “سرسق” ببيروت عن بعد في شارع الذي يحمل نفس الاسم وسط العاصمة اللبنانية. © طاهر هاني فرانس24

“شعرت بأن المبنى كان يهتز من كل الجهات”

كل هذه المواد التي اختارها بشغف كميل طرزي، المهندس المعماري الذي أشرف على انجاز أعمال ترميم وتوسيع المتحف خلال 10 سنوات (من 2005 لغاية 2015)، نسفت خلال “عشرين ثانية فقط” حسب مديرة المتحف زينة عريضة التي تتذكر بوضوح قوة العصف التي هزت ركائز هذا المكان الثقافي الشهير الذي كان عنوانا بارزا للعديد من العروض الفنية، بعضها كانت لرسامين مشهورين وفنانين عالمين مثل بيكاسو.

زينة عريضة مديرة متحف “نيقولا سرسق” تشرح لفرانس24 خطوات اعادة ترميم هذا المركز الثقافي العريق


وقالت زينة عريضة لفرانس24: “كنت متواجدة داخل المتحف حين وقع الانفجار. شعرت بأن المبنى كان يهتز من كل الجهات، فانتابني الخوف. قبل انفجار المرفأ بلحظات قليلة، سمعت صوتا رهيبا أربكني كثيرا لأنه كان صوتا مختلفا ومهددا لم أعتد على سماعه على الرغم من التجربة التي اكتسبتها من الحرب اللبنانية الإسرائيلية”.

قيمة خسائر متحف “سرسق” بلغت ثلاثة ملايين دولار

وتابعت: “لحسن الحظ لم نصب بأي أذى، بالمقابل تابعنا مباشرة لحظة تدمير المتحف وسمعنا صوت الدمار. وبعد مرور ربع ساعة على الانفجار، شعرت بالتوتر والغضب وقلت في نفسي ما فائدة أن نعيد بناء المتاحف والمباني والمنازل منذ ثمانينيات القرن الماضي طالما نعيش في بلد فقد جميع ركائزه السياسية وتوازناته الاجتماعية؟”.

لكن غضب زينة عريضة لم يصمد كثيرا أمام رغبتها في إعادة إحياء متحف “نقولا إبراهيم سرسق” وأمام المساعدات المادية التي بدأت تأتي من داخل لبنان وخارجه. فشمرت أكمامها ووقفت إلى جانب فريقها المكون من معماريين ومهندسين ومختصين في إعادة تأهيل اللوحات الفنية، لتنطلق في عملية ترميم واسعة النطاق للمبنى الذي بلغت قيمة الخسائر فيه حوالي ثلاثة ملايين دولار حسب قولها.

للمزيد- ريبورتاج: انفجار مرفأ بيروت وفيروس كورونا وأزمة اقتصادية… كيف تراكمت الهموم على رؤوس اللبنانيين؟

وأظهر اللبنانيون روحا تضامنية كبيرة مع المتحف. فيما قامت بعض الدول الأوروبية والمؤسسات الخيرية بتقديم مساعدات مالية لإعادة ترميمه، على غرار منظمة “ألف” التي تأسست بهدف العمل لصالح التراث الثقافي في مناطق النزاع والممولة من قبل عدة دول من بينها الإمارات.

هذه الجمعية الخيرية منحت المتحف اللبناني حوالي 500 ألف دولار. من جهتها، قدمت وزارة الثقافة الفرنسية 500 ألف يورو أخرى إضافة إلى دولة إيطاليا ومنظمة اليونسكو اللتين منحتا ما يقارب مليون دولارر كمساعدة لإعادة ترميم المتحف. أما شركة “سان غوبان” الفرنسية والمختصة في صناعة مواد وأجهزة البناء، فإضافة إلى الهبة المالية التي قدمتها، زودت أيضا وبشكل مجاني المتحف بكل النوافذ المصنوعة من الزجاج الملون.

عمال يقومون بترميم متحف "نقولا سرسق" تحت إشراف المهندس المعماري كميل طرزي. بعض أجزاء المتحف دمرت جراء الانفجار لكن يجري تصليحها من قبل مختصين في الفن المعماري.
عمال يقومون بترميم متحف “نقولا سرسق” تحت إشراف المهندس المعماري كميل طرزي. بعض أجزاء المتحف دمرت جراء الانفجار لكن يجري تصليحها من قبل مختصين في الفن المعماري. © طاهر هاني فرانس24

“لم نتلق ولو مكالمة هاتفية من وزارة الثقافة اللبنانية”

وحول هذه المساعدات، قالت زينة عريضة: “هذه الموجة من التضامن غير المتوقعة في البداية جعلتنا نفكر كيف تُمكن إعادة تأهيل المكان بسرعة بالرغم من إدراكنا بأن هذه العملية ستكون صعبة “. وأضافت: متحف “نقولا إبراهيم سرسق” سيحيي عيد ميلاده الستين هذه السنة ونحن نشعر بمسؤولية كبيرة باتجاهه لأنه يضم في أروقته كنوزا فنية لا يمكن أن نقدر قيمتها الروحية والمالية. أعتقد أننا لا نملك أي حل آخر سوى إعادة ترميمه كما ينبغي لكي يسترجع روحه المفقودة وذلك مهما كانت الصعوبات”.

وبشأن المساعدة من قبل الدولة اللبنانية، قالت باستياء كبير: “لم نستلم ولم نتلق ولو مكالمة هاتفية واحدة من وزارة الثقافة. أريد فقط أن أذكر أن تكاليف ترميم جزء من المبنى وإعادة تأهيل بعض اللوحات الفنية التي تضررت جراء انفجار مرفأ بيروت مدفوعة من قبل قسم الهندسة المعمارية والتراث في وزارة الثقافة الفرنسية. أما الحكومة اللبنانية، فلم يأت إلينا أي ممثل لها أو على الأقل يتصل بنا هاتفيا. كل شيء بات واضحا. بمعنى أن انفجار مرفأ بيروت هو بمثابة تعبير جسدي ومادي للعنف الذي تمارسه هذه الدولة ضد  جميع اللبنانيين”.

المتحف سيكرم الطفل إسحاق، وهو أسترالي توفي في الانفجار

ومع اقتراب الذكرى الأولى للانفجار، تشعر زينة عريضة بنوع من التوتر لأنها لا تعلم كيف ستحيي هذا الحادث الأليم الذي “دمر متحفنا وزعزع حياتنا بالرغم من أننا عشنا أياما عصيبة خلال الحرب بين لبنان وإسرائيل واكتسبنا نوعا من التجربة في هذا المجال” كما قالت لفرانس24.

بعض اللوحات الفنية المكدسة في مكان خاص لها ومكيف في الطابق الأسفل لمتحف "نقولا سرسق". عدد كبير من اللوحات الفنية والرسومات التي تأثرت بالانفجار تجري صيانتها في ورشة المتحف.
بعض اللوحات الفنية المكدسة في مكان خاص لها ومكيف في الطابق الأسفل لمتحف “نقولا سرسق”. عدد كبير من اللوحات الفنية والرسومات التي تأثرت بالانفجار تجري صيانتها في ورشة المتحف. © طاهر هاني فرانس24

لكن بعد دقائق قليلة من التفكير، عادت لتقول بأن متحف “نقولا سرسق” قرر تكريم شخصين اثنين من بين ضحايا الانفجار. الأول هو الطفل إسحاق الذي يعد من بين أصغرالضحايا، وهو من أصل أسترالي كان يزورالمتحف دائما برفقة عائلته ويسكن بقربه. وتخليدا لذكرى وفاته، قررت مديرة المتحف وضع أرجوحة في ساحة المركز. ويخص التكريم الثاني غايا فادوليون، التي كانت تشغل منصب مديرة قاعة “لتيسيا” للفن ببيروت وكانت تملك علاقة خاصة وحميمية مع متحف “نقولا سرسق”. وبمناسبة هذا التكريم، سيتم عرض مقعد جميل على مستوى ساحة المتحف أنجزته والدة غايا فادوليون وأهدته مجانا للمتحف.

متحف “سرسق” احتضن معرضا للوحات الرسام بابلو بيكاسو

ويعتبر متحف “نقولا إبراهيم سرسق” من بين أبرز المتاحف في لبنان ومتخصص في الفن المعاصر. ويقع في قلب حي الأشرفية وهو حي عريق وتاريخي يضم العديد من الفنادق الخاصة والمنازل التراثية العتيقة. شُيّد هذا المتحف الذي يمزج بين الأسلوب المعماري العثماني والبندقي في 1912 ليكون مسكنا خاصا لنقولا إبراهيم سرسق الذي كان رجلا ثريا وعاشقا كبيرا للوحات الفنية وللفنون بشكل عام.

وفي وصيته قبل مفارقته الحياة في 1952، أمر نقولا إبراهيم سرسق بلدية بيروت بتحويل إقامته الخاصة إلى متحف للفن يقصده اللبنانيون والأجانب مجانا. و في العام 1961 حقق كميل أبو صوان، الذي عين محافظا للمتحف في نفس السنة، أمنية نقولا سرسق.

بعض اللوحات الفنية المتواجدة في مخزن متحف “نيقولا إبراهيم سرسق” ببيروت


ومنذ ذلك الحين، احتضن المتحف مئات المعارض التي شارك فيها فنانون أجانب ولبنانيون كبار. وقبل أن يتم إغلاقه بسبب وباء كوفيد-19 في مارس/آذار 2020، تم عرض عشرات اللوحات الفنية  للرسام الشهير بابلو بيكاسو بلغت قيمة جميع اللوحات المعروضة أكثر من 225 مليون يورو.

الانفجار “اغتصب” حياة العديد من اللبنانيين

تم إغلاق المتحف للمرة الأولى في 2007 لأجل القيام بأعمال ترميم وتوسع، ليعيد فتح أبوابه من جديد في 2015. لكن لم يتخيل أحد آنداك أن بعد خمس سنوات فقط من افتتاحه، سيتم إغلاقه من جديد جراء انفجار المرفأ “النووي” كما وصفه المهندس المعماري كميل طرزي.

وقال لفرانس24: “لقد قمنا بترميم المتحف في 2013. حافظنا على النوافذ الزجاجية الأصلية على الرغم من معاناتها جراء الحرب الإسرائيلية اللبنانية، إلا أنها كانت في وضع جيد. نفس الشيء بالنسبة للأبواب الخشبية العتيقة والجدران. لكن للأسف كل الجهود التي بذلناها خلال عشر سنوات ذهبت في مهب الريح في غضون ثوانٍ فقط…”.

وأضاف طرزي: “انفجار مرفأ بيروت دمر الكثير من الأمل في نفوس اللبنانيين”، مشيرا إلى أنه “نجى بأعجوبة من الموت بعد أن أغلق المتجر الذي كان يشتغل فيه قبل الموعد المعتاد بسبب أزمة كوفيد-19”.

ينمتي كميل طرزي إلى عائلة من المعماريين الأصليين الذين شاركوا في ترميم عدة مباني وبيوت تراثية وقصور في لبنان منذ العصر القديم. من جهته، يشارك كميل طرزي في ترميم متحف "نيقولا سرسق" الذي تعرض إلى خراب بسبب انفجار مرفأ بيروت.
ينمتي كميل طرزي إلى عائلة من المعماريين الأصليين الذين شاركوا في ترميم عدة مباني وبيوت تراثية وقصور في لبنان منذ العصر القديم. من جهته، يشارك كميل طرزي في ترميم متحف “نيقولا سرسق” الذي تعرض إلى خراب بسبب انفجار مرفأ بيروت. © طاهر هاني فرانس24

وتابع: “هذا الانفجار لم يكن فقط انفجارا ماديا بل دمر الحياة الخاصة للناس واغتصبها. كما دمر البيوت والمقابر ونبش أضرحة الأموات. المشهد كان فظيعا في 4 أغسطس/آب 2020. الانفجار لم يكن انفجارا عاديا بل انفجارا نوويا. لاتوجد عبارة أخرى لتصنيفه. لقد عشنا الحرب وتأقلمنا مع فظائعها، لكن تجربة الانفجار التي عشناها ليس لها مثيل أبدا. هناك بيروت ما قبل 4 أغسطس/آب 2020 وبيروت ما بعد هذا التاريخ”.

“أصبحنا نعاني من مشاكل جديدة لم نكن نعرفها من قبل”

وعن مستقبل لبنان، قال كميل طرزي: “أنا شخص متفاءل. لكن عندما يتعلق الأمر بشعب كامل لا يزال يخضع لسيطرة رجال الدين والسياسة ولإيديولوجيات دخيلة عن الثقافة اللبنانية، فالأمل ينفد مني”.

للمزيد، ريبورتاج-عائلات ضحايا انفجار مرفأ بيروت: “قتلتم أبناءنا مرتين، الأولى بفسادكم والثانية بإهمالكم”

وأردف: “سيعود ربما الأمل عندما أرى أن هناك لبنانيين يريدون بناء دولة مدنية حقيقية ويعطون الأولوية للبنان أولا وليس لحزب أو لمذهب ديني أي كان. سيعود الأمل إلى البلاد عندما نتعلم أن نكون لبنانيين قبل كل شيء. وفي حال تعلمنا ذلك، فأنا متأكد بأن وضع البلد سيتحسن”.

لكن مديرة متحف “نقولا سرسق” زينة عريضة لا تشارك كميل طرزي الرأي والتفاؤل. فلبنان بالنسبة لها في انحدار وانحطاط مستمر لا رجعة فيه.

وقالت في هذا الشأن: “بعد مرور عام على الانفجار، أصبح الوضع كارثيا في لبنان. كل الذين تمكنوا من مغادرته فعلوا ذلك دون تردد. أما فيما يخص المتحف، فلقد أصبحنا نعاني من مشاكل جديدة لم نكن نعرفها من قبل. وفي مقدمتها نقص الوقود الضروري لتشغيل أنظمة التكييف والتهوية في القاعات السفلى حيث نكدس اللوحات الفنية والقطع الأثرية. دون نظام تكييف الهواء، ستتعرض هذه الكنوز إلى التلف”. وتابعت: “البنوك احتجزت أموال المتحف وبائعو الوقود يشترطون منا أن ندفع تكاليفه نقدا. وهذا يزيد من صعابنا”.

مكان مخصص لإصلاح اللوحات الفنية التي تضررت من الانفجار. هذا العمل بالغ الدقة تقوم به مختصة في مجال ترميم اللوحات والرسوم الفنية وهو عمل صعب يتطلب الكثير من الوقت والتركيز الكبير.
مكان مخصص لإصلاح اللوحات الفنية التي تضررت من الانفجار. هذا العمل بالغ الدقة تقوم به مختصة في مجال ترميم اللوحات والرسوم الفنية وهو عمل صعب يتطلب الكثير من الوقت والتركيز الكبير. © طاهر هاني فرانس24

لكن بالرغم من العقبات مثل شح الأموال والأزمة الصحية التي تعصف بلبنان، إلا أن أصوات أشغال الترميم والبناء تدوي من داخل متحف “نقولا سرسق” حيث يواصل العمال تأهيل المبنى وترميمه من جميع النواحي. نفس الأصوات ترتفع أيضا من أمام ساحة المتحف الشاسعة حيث عمال البناء منتشرون ويبذلون كل الجهود لفتح هذا المركز الثقافي في أسرع وقت وذلك أمام أعين طارق متري.

آلام سكان بيروت لن تزول طالما لم يتم الكشف عن الحقيقة

وأكد وزير الثقافة السابق طارق متري، وهو رئيس لجنة المتحف، في حديث مع فرانس24: “لقد أنجزنا في الماضي عدة عمليات ترميم وتأهيل لكن لم نواجه أبدا أزمة مادية وصحية. الوضع تغير اليوم لكني متفاءل جدا بأن الحياة ستعود من جديد إلى هذا المكان”. وأضاف: “أعتقد تواجد مثل هذا المتحف في مدينة مدمرة كبيروت يسمح في نهاية المطاف لسكانها أن يتنفسوا قليلا”، واصفا انفجار مرفأ بيروت بـ”الجرح العميق”، متهما الحكومة بعدم شعورها بأدنى روح من “المسؤولية” وعدم قيامها بأبسط تحقيق “لمعرفة أسباب هذا الحادث ومن يقف وراءه”.

فهل سيولد الفينيق من جديد؟

 

طاهر هاني/ موفد فرانس24 إلى بيروت 

إقرأ الخبر من المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى