أخبار عالمية

قيس سعيّد وحصاد عامين من الخلافات السياسية مع الأحزاب والبرلمان والحكومات

نشرت في:

في خضم أزمة سياسية وصحية واقتصادية خانقة، اختار الرئيس التونسي قيس سعيّد الأخذ بزمام الأمور بنفسه من خلال إعفاء رئيس الحكومة وتجميد البرلمان في خطوة وصفها البعض بـ”الانقلاب” فيما يراها آخرون “خطوة تصحيحية” لمسار سياسي راكم الفشل منذ عقد من الزمن. وجاءت هذه الخطوة على أنقاض انسداد سياسي داخل مؤسسات الحكم استمر أشهرا حمّل سعيّد مسؤوليته للبرلمان ورئيس الحكومة.

جاءت خطوة الرئيس التونسي قيس سعيّد الأحد بإقالة رئيس الحكومة وتجميد البرلمان بعد أشهر من انقطاع “شعرة معاوية” في علاقته برئيس الحكومة والبرلمان. إذ كان من الواضح أن سعيّد حسم موقفه من حكومة هشام المشيشي منذ التعديل الوزاري الذي صادق عليه مجلس النواب في يناير/ كانون الثاني الماضي والذي أقال بموجبه المشيشي ما عرف بوزراء “الرئيس” في حكومته.

فسعيّد كان من اختار المشيشي بنفسه متجاوزا بذلك مقترحات الأحزاب للشخصيات المرشحة لهذا المنصب. ولكنه رأى في ارتماء المشيشي في أحضان الائتلاف الحاكم المكون بالخصوص من حركتي النهضة وقلب تونس “خيانة” للتكليف.

صدام داخل المؤسسات

ولعل ما يؤكد انقطاع العلاقة بين رأسي السلطة التنفيذية في تونس هو رفض الرئيس في فبراير/شباط لأداء الوزراء الجدد اليمين أمامه ما منع تسلم مهامهم ليجد المشيشي نفسه مضطرا إلى تكليف عدد من الوزراء الذين حافظوا على مناصبهم بتسلم الوزرات الشاغرة فيما تولى بنفسه إدارة وزارة الداخلية.


وحاول الائتلاف البرلماني الحاكم تجاوز مأزق أداء اليمين الحكومي من خلال تعديل قانون تشكيل المحكمة الدستورية – التي فشل النواب في انتخاب ثلث أعضائها منذ سنة 2015 – بغية منع احتكار الرئيس لتأويل المواد الدستورية. لكن سعيّد رد القانون إلى البرلمان متعللا بتجاوز الآجال الدستورية للمصادقة على هذه المؤسسة التي يخول لها تأويل النص الدستوري.


حوار مشروط

في ظل الانسداد السياسي الحاصل في صلب مؤسسات الحكم منذ التعديل الوزاري، جدد الاتحاد العام التونسي للشغل اقتراحه تنظيم حوار وطني تشارك فيه الأحزاب يشرف عليه سعيّد نفسه لدفع العملية السياسية في البلاد. لكن الرئيس رفض إجراء الحوار على قاعدة ما يسميها “بالصفقات” بين الأطراف السياسية واشترط عدم مشاركة من يصفهم بـ”الفاسدين”.

ولا يخفي سعيّد نقده للحوار الوطني الذي قاده اتحاد الشغل سنة 2013 والذي أفضى للمصادقة على الدستور الحالي للجمهورية التونسية وخلق أرضية لما عرف بالتوافق بين حزبي النهضة ونداء تونس.


فوساطة اتحاد الشغل بين الفرقاء السياسيين في تلك الفترة ساهمت في خلق جو من الاستقرار المؤسساتي. لكنها لم تحمل جوابا للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية الحارقة لا بل زادت في تعميق الأزمة المالية لتونس مع نهاية العهدة البرلمانية والرئاسية في 2019.


ويرى مراقبون أن هذا التوافق السياسي الذي لم يثمر سلما اجتماعيا وازدهارا اقتصاديا هو ما جعل من سعيّد “الحصان الأسود” لانتخابات 2019. وعرف التونسيون سعيّد، الأستاذ الجامعي الصارم وقليل الابتسام، من خلال نقده اللاذع للطبقة السياسية خلال فترة صياغة الدستور، إذ رأى أن الحوار الوطني “أكل” الدستور” كما أكل الحمار “دستور الضيعة” في مسرحية “غربة” السورية الشهيرة على حد وصفه.


ميل للنظام الرئاسي

وما يثير الاهتمام في مواقف سعيّد بعد دخوله قصر قرطاج، هو أن أستاذ القانون الدستوري لم يتخل عن إصراره على رفض نظام الحكم شبه البرلماني الذي يتمتع فيه مجلس النواب بصلاحيات واسعة بدءا باختيار الغالبية البرلمانية لرئيس الحكومة وصولا إلى منحه الثقة.

إذ كثيرا ما عبر الرئيس التونسي عن رفضه لما عرف في البلاد بالرئاسات الثلاث (رئيس الجمهورية، رئيس مجلس نواب الشعب، رئيس الحكومة) مؤكدا أن للدولة “رئيسا واحدا” هو رئيس الجمهورية. وهو موقف يعبر عن تفضيل سعيّد للنظام الرئاسي الذي يقترح أن يرافقه مجلس تشريعي منتخب محليا على الأفراد وليس على القوائم الحزبية والمستقلة كما هو عليه الحال الآن.

وكان هذا المقترح الفكرة المحورية في حملة قيس سعيّد الانتخابية التي يطلق عليها اسم “الحملة التفسيرية”.

“أتت اللحظة”

وساهم فشل حكومة المشيشي في التعامل مع جائحة كورونا التي شلت الاقتصاد وأخرجت عيوب النظام الصحي إلى السطح في تشجيع سعيّد على أخذ المبادرة خاصة مع نجاح تحركاته الدبلوماسية الناجحة لجلب ملايين اللقاحات وأطنان من المساعدات والتجهيزات الطبية. ليلتقط سعيّد المظاهرات التي خرجت في مختلف مناطق البلاد الأحد 25 يوليو/تموز والتي نددت بالأساس بالمشيشي وحركة النهضة.

وكثيرا ما تحدث سعيّد في الخطابات التي تنشرها صفحة رئاسة الجمهورية التونسية على فيس بوك عن أنه سيتخذ الإجراءات التي يراها مناسبة لإنهاء الأزمة السياسية عندما “تأتي اللحظة” المناسبة.


وطيلة فترة الانسداد، تحدث شق من السياسيين وخبراء القانون في تونس عن أن المادة 80 من الدستور تمنح رئيس الدولة إمكانية اتخاذ “إجراءات استثنائية” يتولى بموجبها إدارة الدولة بشروط محددة ولفترة زمنية مضبوطة مسبقا.


تحفظات

ومهدت هذه الاحتجاجات لترحيب شق واسع من التونسيين بقرارات سعيّد التي استند فيها لهذه المادة الدستورية. إذ خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع مباشرة بعد إعلان قرارات سعيّد احتفالا بما يرونها نهاية لجبل من الأزمات السياسية التي استعصت عن الحل.

للمزيد – تونس: ما هو الفصل 80 من الدستور الذي استند إليه قيس سعيّد لاتخاذ قراراته؟

لكن ترحيب جزء كبير من التونسيين بخطوة سعيّد رافقه توجس لدى النخب والساحة السياسية من نوايا الرجل فيما يتعلق بالخطوة المقبلة خصوصا في ظل غياب خارطة طريق واضحة لعودة استقرار المؤسسات.

أبرز هذه التحفظات جاء من اتحاد الشغل، الوسيط المحلي الأكثر قدرة على حل الأزمات، الذي بالرغم من عدم معارضته لخطوة سعيّد، إلا أنه طالب بـ”ضمانات” دستورية تمكن من” العودة في الآجال إلى السير العادي لمؤسسات الدولة” وتحدد بمقتضاها أهداف “التدابير الاستثنائية” ومدة تطبيقها والإسراع بإنهائها “حتى لا تتحول إلى إجراء دائم”.

وتدخل البلاد في الفترة المقبلة في فترة ترقب للخطوات التالية لسعيّد فيما يتعلق برؤية سبل العودة إلى استقرار المؤسسسات وإمكانية اقتراحه تغيير النظام السياسي بالصبغة التي اقترحها إبان الحملة الانتخابية وأعاد الحديث بشأنه عند زيارته وزارة الداخلية ليلة اتخاذه “الإجراءات الاستثنائية”.


 

عمر التيس

إقرأ الخبر من المصدر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى