أخبار وطنية

تفكيك البنى الفوقية للفساد يتطلب ابداعا دستوريا للنموذج الاقتصادي المأمول

نعتقد منذ سنوات (وهذا مدون ومنشور) ان الديمقراطية الفاسدة هي بالأحرى وأساسا ديمقراطية تابعة. كان ذلك نتيجة قراءة لواقعنا التونسي وبناء على مفاهيم كبرى لمفكرين عالميين كبار علاوة على كون استخدامنا لهذه المفاهيم ناتج أيضا عن جولات مقارنة واستماع واطلاع واقعي على نماذج أخرى مثل النموذج البوليفاري الذي ساعدنا أيضا على التفكير في الجمهورية الثالثة. وفي هذه الدول، مقاومة الفساد تَوَقّ قبل كل شيء ونظام سياسي قبل كل شيء وعقيدة وطنية سيادية شاملة ولها أطرها الدستورية أساسا. 
إن مفهوم الفساد الذي نحتاجه اليوم، وهذا أيضا ليس بحثا جديدا عندنا، هو التالي:
الفساد هو استخدام السلطة لغير مصلحة الوطن ولغير مصلحة الشعب. (وذلك نتيجة الوصول إلى السلطة بطريقة فاسدة وغير وطنية وغير سيادية)؛ الفساد هو استخدام السلطة لمنع خدمة الناس وحرمان الغالبية الساحقة من أدنى مقومات الحق في الحياة الكريمة (وذلك نتيجة السياسات التابعة اللاوطنية واللاشعبية والخادمة لاقلية الفاسدين والتخادم بين الفاسدين وأذرع الفساد في السلطة والثروة وأدوات الفساد وحمايته وترويجه). وانطلاقا من هذا الفهم نستطيع أن نرتب التفاصيل، كل التفاصيل.
أولا لا مقاومة للفساد دون مقاومة للتبعية وهي مصدر الفساد وجوهره وموضوعه. (منظومة الفساد من نظام التبعية). وأخيرا لا أساس موضوعي للفساد ولا بقاء له ما لم يكن مرتبطا بالسلطة. (وما لم يكن سلطة). وهنا المشكلة كل المشكلة وهنا يجب أن تكون بوصلة المحاربين الوطنيين بلا جزاء ولا شكور يعني بلا فساد ولا سلطة فساد ولا أي سلطة – مقابل ذلك. وهذا هو معيار قبول أو عدم قبول أي سلطة ونجاح أو فشل أي سلطة وإسقاط أو عدم إسقاط أي سلطة والثورة المعمقة على تضارب سلطات الفساد وتضارب مصالح الفساد والفاسدين.
ثانيا، وهذا بدوره قناعة قديمة لدينا ومدونة ومنشورة، إن تفكيك منظومة الفساد يتوقف على القطع مع تطبيق شروط الانتقال الاستعماري الذي قام على ضبط واعادة هيكلة الطفيليات وما يقتضيه ذلك من المصالحة مع حماة الفساد أو مع طبقة جديدة من الفساد الجديد المنظم والمهذب والمهيكل والشرعي بتجاوز مرسكل للحلقة الفاسدة القديمة وأدوات تأمينها السياسية والقضائية والأمنية والإعلامية وإرساء نظام فساد آخر مندمج  ومفكك الخلايا في الدولة وفي المجتمع المدني والسياسي وفي المجتمع تحضيرا لموجة جديدة من إعادة هيكلة النظام تكون اكثر عنفا ناعما وصلبا، اذا ما تواصل فشله وضمه أكثر فأكثر للحكم المعلوم بعناوين الانفتاح والشفافية والحوكمة ومكافحة الفساد…الخ. لقد تم قطع هذه الطريق بحركة 25 جويلية 2021 ويجب أن تواصل وبقوة التقدم على طريق الأهداف الكبرى. فالقضاء على الفساد يعتمد على خط وطني مستقل متحرر من الاستعمار والتبعية ومتعدد الشراكات السيادية ومتعدد الاقطاب القوية غير الاستعمارية أو غير القادرة على المرور بالقوة ضد ارادتنا إذا ما توفرت إرادتنا السياسية بالأساس وهو ما ندفع نحوه بشدة.
ثالثا، قبل جولة 25 جويلية 2021 كانت همة جزء محترم من التونسيين متعلقة بتغيير النموذج الاقتصادي إلى نموذج سيادي دفاعي إنمائي وتحصيني شامل. وهذا ما يجب أن يستكمل. وهنا علينا التذكير بأن أي رؤية جادة للفساد والبيروقراطية وانعدام النجاعة والفعالية في ثقافة مكافحة الفساد المستوردة تثبت أن هذا الفساد وجه من وجوه آليات التخريب وإسقاط النظم والاوطان واستبعاد الشعوب بل آليات معارضة بالوكالة كما هي عناوين آليات إفساد وإضعاف وتازيم وإسقاط للحكم بالوكالة عن إدارة الاستعمار المعولم. بل الفساد آلية ديمقراطية فاسدة بمعنى من المعانى ولا يهم إذا مورس في الدولة من طرف من يحكم أو من يعارض بل المهم من يمارسه وكيف يدفع لممارسته ومن أجل ماذا. وأكثر من ذلك، لا يجب أن نتناسى المهمة الانتخابية والوظيفة الاقتصادية والبعد الإستراتيجي للفساد كعامل استراتيجي استعماري هو ذاته. وفوق ذلك كله، الدور الوظيفي لعوامل التدمير وعلى رأسها عامل التبعية وعامل  التطبيع. ولذلك اندهشنا ذات يوم عند الاستماع إلى رئيسة الجمعية الوطنية التأسيسية لجمهورية فنزويلا البوليفارية وهي تلح على مهمة “إبداع النموذج الاقتصادي دستوريا” وإحداث إطار قانوني جديد للثروات والاستثمارات والشراكات…الخ. ولما سمعنا وزير الدفاع الفنزولاني يؤكد على ضرورة التأسيس أو التشريع الدستوري ودسترة عقيدة القوات المسلحة البوليفارية وإن لم يكن كذلك فضبطها بقانون أساسي جديد على الأقل، وهذا ينطبق على كل شيء بما يعني إعادة التأسيس الشاملة. 
هذه هي الروح العامة القابلة للنقاش المعمق والتي يجب أن تدخل في سياق التخطيط الاستراتيجي الشامل لتونس المستقبل، بمستقبل مستقل ونموذج مستقل يستفيد من التجارب العالمية ضمن الضرورات الوطنية والواقع الوطني وبعقول تونسية.
 

للمزيد من الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى